ابن قيم الجوزية
412
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
قال السني : أخطأتما جميعا في فهم الآية أقبح الخطأ ، ومنشأ غلطكما أن الحسنات والسيئات في الآية ، المراد بها الطاعات والمعاصي التي هي فعل العبد الاختياري ، وهذا وهم محض في الآية ، وإنما المراد بها : النعم والمصائب . ولفظ الحسنات والسيئات في كتاب اللّه ، يراد به هذا تارة ، وهذا تارة ، فقوله تعالى : إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها ( 120 ) [ آل عمران ] وقوله : إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ ( 50 ) [ التوبة ] وقوله : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ ( 168 ) [ الأعراف ] وقوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ ( 48 ) [ الشورى ] وقوله : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ( 131 ) [ الأعراف ] وقوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ( 79 ) [ النساء ] . المراد في هذا كله النعم والمصائب . وأما قوله : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ( 160 ) [ الأنعام ] وقوله : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ( 114 ) [ هود ] وقوله : فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ( 70 ) [ الفرقان ] والمراد في هذا كله الأعمال المأمور بها والمنهي عنها ، وهو سبحانه إنما قال : ما أصابك ، ولم يقل : ما أصبت وما كسبت ، فما يفعله العبد يقال فيه : ما أصبت وكسبت وعملت كقوله : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ( 124 ) [ النساء ] وكقوله : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ( 123 ) [ النساء ] وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ( 112 ) [ النساء ] وقول المذنب التائب : يا رسول اللّه : أصبت ذنبا ، فأقم عليّ كتاب اللّه ، ولا يقال في هذا : أصابك ذنب ، وأصابتك سيئة . وما يفعل به بغير اختياره يقال فيه : أصابك كقوله : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ( 30 ) [ الشورى ] وقوله : وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ